منتدى متخصص بالقوانين والقرارات الصادرة من المحاكم والمقالات القانونية


    التنظيم القضائي العراقي1

    شاطر

    عمار الامري

    عدد المساهمات : 5
    تاريخ التسجيل : 17/03/2011

    التنظيم القضائي العراقي1

    مُساهمة  عمار الامري في الخميس مايو 10, 2012 10:36 pm

    جمهورية العراق \ وزارة التعليم العالي والبحث العملي
    كلية القانون \ جامعة الكوفة







    بحث

    السلطتان القضائية و التشريعية طبقا للدستور العراقي















    المدرس
    احمد عبيس نعمة الفتلاوي
    كلية القانون - جامعة الكوفة

    منشور في مجلة مركز دراسات الكوفة \2007






    المقدمة

    ما من شك في أن التغيير الذي طراء على الساحة السياسية في العراق و إسقاط النظام الذي كان يحكم بقبضة من حديد قد ولد الكثير من التغييرات على الساحة القانونية العراقية و هو الأمر الذي دفعني لآن اختار هذا الموضوع للبحث فيه بالذات دون غيره من المواضيع المهمة .
    إن بحث السلطتين القضائية والتشريعية في مرحلتين مهمتين من مراحل التأريخ العراقي يعد أمرا في غاية الأهمية, خاصة في مرحلة ما قبل سقوط النظام السابق و كيفية ممارسة السلطة القضائية لاختصاصاتها ودراستها كإحدى أهم السلطات التي تعتمد الدول اليوم عليها لتأكيد عدالتها و شفافيتها والتزامها بمبداء الحكم الصالح وسيادة القانون , ذلك المبداء الذي اجتاح عالم اليوم المنطقة العربية عموما و العراقية خصوصا , و هذا ما سيتم تناوله في المبحث الأول مع التـأكيد على أن البحث لن يركز فقط على ما كان علية التنظيم القضائي العراقي السابق المرقم 160 لسنة 1977 بل سيتعداه إلى التغيير الكبير والحاسم الذي طراء على السلطة القضائية من خلال إعادة العمل بمجلس القضاء الأعلى وإنشاء المحكمة الاتحادية العليا .

    كما سيتم التطرق خلال هذا البحث إلى أهم المواد الدستورية ذات الصلة بالتنظيم القضائي العراقي والتعليق عليها من خلال مقارنتها بالنظم القضائية الدولية هذا من جهة , و من جهة أخرى سيركز المبحث الثاني على السلطة التشريعية من خلال مقارنتها بين ما كانت عليه في ظل النظام السابق و بين ما جاء به الدستور العراقي الحالي من تغيير جذري تمثل بقيام السلطة التشريعية الاتحادية . كما سيتم التطرق خلال هذا المبحث إلى نقاط الخلل التي يمكن اعتبارها عائقا أمام السلطة التشريعية الاتحادية وذلك للحيلولة دون توقف العملية القانونية الحالية التي شهدها العراق من خلال مقارنتها بالأنظمة التشريعية لبعض الدول الاتحادية .
    إن دراسة السلطتين القضائية والتشريعية هي محل اهتمام و متابعة كبيرين من قبل المختصين بالشأن القانوني العراقي و بالتالي فأن من الأهمية قراءة تلك السلطات في ظل الدستور الجديد لاْغناء مكتبتنا القانونية و لو باليسير من البحث لمعرفة مواقع القوة و الخلل في هيكلية هاتين السلطتين المهمتين .


    المبحث الأول: السلطة القضائية العراقية .

    سيتناول هذا المبحث كل ما له علاقة بهيكلية السلطة القضائية الحالية أو التي أعيد تشكيلها طبقا للدستور الجديد.


    المطلب الأول: القضاء العراقي- الماضي والحاضر

    يمتاز القضاء العراقي و إلى حد كبير بنزاهته وقدرته الفاعلة طيلة تأريخه المعاصر ، لولا تدخلات السلطة التنفيذية المتكررة عبر الحكومات التي سيطرت على البلاد وجعلت منه جهازا تابعا لها، تلك التبعية التي تجلت بأوضح صورها عندما أقدم النظام السابق عام 1977 بإصدار قانون وزارة العدل المرقم (18) لسنة 1977 والذي قضى بتشكيل مجلس العدل ليحل محل مجلس القضاء، وهو الأمر الذي عد وقتها إيذانا بانتهاء استقلالية القضاء وتبعيته إلى السلطة التنفيذية، نظرا لإسناد مهمة الإشراف والمتابعة على شؤؤن القضاء إلى وزير العدل الذي كان يمثل السلطة التنفيذية .
    سنتناول في هذه المطلب مرحلتين مهمتين شهدهما التنظيم القضائي العراقي، الأولى تتمثل بنفاذ قانون التنظيم القضائي المرقم(160) لسنة 1977 والثانية في ظل أعادة تأسيس مجلس القضاء الأعلى بعد انهيار النظام السابق وزواله عام 2003.




    الفرع الأول - التنظيم القضائي العراقي طبقا للقانون رقم (160) لسنة 1977.

    كما أسلفنا سابقا فان كل المحاكم وعلى اختلاف أنواعها ودرجاتها، كانت محكومة من قبل مجلس العدل الذي هو محكوم بدوره من قبل السلطة التنفيذية متمثلة بوزير العدل ، الأمر الذي أدى إلى عدم استقلالية القضاء وتبعيته للسلطة السياسية الحاكمة ، ولكون ما يهمنا في هذا الفرع الاطلاع على أنواع المحاكم وهيكلتها لاسيما وان القليل من البحوث تطرقت إلى هذه المسائل بالبيان والتفصيل , لذا فأننا سنركز فقط على ما له علاقة بالتنظيم القضائي الجديد والمعمول به حاليا في العراق أي قبل نفاذ الدستور من جهة بالإضافة إلى القوانين المتعلق بالهيكلية القضائية الجديدة التي رسمها نفس الدستور من جهة أخرى .


    أولا – المحاكم و من أهمها :
    1- محكمة التمييز واختصاصاتها .
    وهي كما يعرفها قانون التنظيم القضائي بأنها" الهيئة القضائية العليا التي تمارس الرقابة على جميع المحاكم وتتألف من رئيس وخمسة نواب للرئيس وقضاة لا يقل عددهم عن ثلاثين ويكون مقرها في بغداد" .
    وطبقا لقانون المرافعات المدنية فان اختصاصاتها :
    - النظر في الطعون التمييزية المقدمة على الأحكام والقرارات الصادرة من محاكم الاستئناف ومن محاكم البداءة التي تخرج عن اختصاص محكمة الاستئناف بصفتها التمييزية.
    - الأحكام والقرارات الصادرة من محاكم الأحوال الشخصية ومحاكم المواد الشخصية ( وهي محكمة تختص بالنظر في المسائل الشخصية كالزواج والطلاق و ....الخ لغير المسلمين) وكل المسائل التي تنص القوانين على اختصاص محكمة التمييز النظر بها تميزاً .
    - كذلك تختص بتدقيق الأحكام التي تخضع وجوبا للتوقيفات التمييزية سواء طعن بها ذوي العلاقة أم لم يطعنوا وذلك في المجالين المدني والجزائي.
    ولا تعتبر هذه المحكمة جزء من درجات التقاضي، أنما هي محكمة تدقيق ورقابة، إذ ليس من صلاحياتها أجراء مرافعة حول الدعوى ما ولكنها تملك الحق في أن تفصل فيها إذا وجدتها صالحة للفصل بعد نقض الحكم الصادر فيها استنادا إلى المادة(214) من قانون المرافعات المدنية. وتدار هذه المحكمة من قبل رئيس المحكمة وهيئة الرئاسة، وهي تعمل مستقلة عن مجلس القضاء ولا ترتبط به ولها موازنة مالية مستقلة واعتبرها الدستور العراقي إحدى أهم مكونات السلطة القضائية الاتحادية .

    2- المحاكم المدنية.
    أ‌- محاكم الاستئناف : وقد قسم العراق إلى أربع عشرة منطقة استئنافية ، ومحكمة الاستئناف هي الهيئة القضائية العليا في المنطقة التي تتواجد فيها،وتتكون من رئيس وعدد من النواب والقضاة يختلف عددهم من منطقة إلى أخرى حسب الحاجة إليها، وتكون المحاكم الأخرى تابعة أليها ضمن المنطقة الجغرافية التي تتواجد فيها.
    للمحكمة دور أساسي في عملية توزيع العمل بين القضاة في تلك المحاكم وترفدها بكل ما تحتاجه من كوادر وإمكانيات وذلك بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى. أما عن اختصاصات هذه المحكمة فقد أشار قانون المرافعات المدنية على :
    " تنظر في الطعن استئنافاً في الأحكام الصادرة من محكمة البداءة بدرجة أولى في الدعاوى التي تزيد قيمتها على ألف دينار وفي الأحكام الصادرة بالإفلاس وتصفية الشركات، وهي بذلك تعد محكمة تقاضي بدرجة ثانية"
    ب‌- محاكم البداءة واختصاصاتها .
    ينص قانون المرافعات المدنية على أن " تشكل محكمة بداءة أو أكثر في مركز كل محافظة أو قضاء ويجوز تشكيلها في النواحي" وهي تتألف من قاضي واحد وتعمل وفقا للاختصاصات الواردة في قانون المرافعات المدنية .
    واختصاصات هذه المحكمة تكون على نوعين:
    - النظر في الدعاوى المدنية المنصوص عليها في قانون المرافعات انف الذكر وتكون أحكامها في هذه الدرجة أخيرة، قابله للطعن بطريقة التمييز أمام محكمة الاستئناف التي تقع ضمن دائرة اختصاصها.
    - النظر في الدعاوي المدنية المنصوص عليها في المادة (32) من قانون المرافعات المدنية وتكون أحكامها فيها بدرجة أخيرة قابلة بالطعن بطريق التمييز أمام محكمة التمييز أذا كانت قيمة الدعوى أكثر من ألف دينار فتكون أحكامها بالدرجة الأولى قابلة للطعن بطريقة التمييز أمام محكمة التمييز، أما أذا كانت قيمة الدعوى أكثر من ألف دينار فتكون أحكامها بدرجة أولى قابلة للطعن بطريقة الاستئناف.

    جـ - محاكم المواد المدنية.
    وهي محاكم لها دور في النظر في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية لغير المسلمين أو الأجانب في العراق كالزواج أو الطلاق، وهي تطبق القانون المدني بدلا من أحكام الشريعة الإسلامية الواردة أصلا في قانون الأحوال الشخصية المرقم (188) لسنة 1959 وتمارس محاكم البداءة في هذا الوقت دور هذه المحاكم بدلا عنها، أما بخصوص أحكامها فهي تصدر بدرجة أخيرة قابلة للطعن تمييزا أمام محكمة التمييز. كما لها الحق في النظر في الطلبات المستعجلة، وهي تلك التي يخشى منها فوات الأوان، وتبلغ عدد محاكم البداءة في العراق حاليا (119) محكمة .

    د- محاكم الأحوال الشخصية.
    نص قانون التنظيم القضائي على " تشكيل محكمة أحوال شخصية أو أكثر في كل مكان فيه محكمة بداءة " وهي تتكون من قاضي واحد وتنظر في قضايا الأحوال الشخصية، كالزواج والطلاق والميراث..... الخ , وتطبق قانون الأحوال الشخصية المرقم (188) لسنة 1959، أما عن القرارات التي تصدرها، فهي بدرجة أخيرة قابلة للطعن تمييزا أمام محكمة التمييز، ويبلغ عدد محاكم الأحوال الشخصية في العراق حاليا (106) محكمة .
    هـ - محاكم العمل.
    نص قانون العمل على تشكيل محاكم عمل أو أكثر في كل محافظة وتنعقد من قبل قاضي واحد وفي حالة عدم تشكيلها يناط اختصاصها إلى محاكم البداءة، أما قراراتها فهي بدرجة أخيرة قابلة للطعن بطريقة التمييز، وتختص بالنظر في الدعاوى والقضايا ذات صلة بقانون العمل وقانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال ويبلغ عددها (14) محكمة في عموم العراق .
    و- محاكم الجنايات.
    وهي من المحاكم الجزائية التي تتشكل في مركز كل المحافظة، ويترأسها رئيس محكمة الاستئناف أو احد نوابه وعضوية قاضيين يتم تسميتهم من قبل مجلس القضاء، وهذه المحكمة مختصة بالنظر في جرائم الجنايات التي تحال عليها من محاكم التحقيق أو من محاكم الجنح و تكون أحكامها قابلة للطعن فقط بطريقة التمييز أمام محكمة التمييز في بغداد .
    إضافة إلى المحاكم أنفة الذكر ، تم تشكيل محكمة تعرف بـ ( المحكمة الجنائية المركزية العراقية ) بقرار صدر من ( سلطة الائتلاف المؤقت ) ، وتنظر هذه المحاكم في الجرائم الخطرة. تتكون المحكمة الأخيرة من ثلاث دوائر وهي دائرة التحقيق و دائرة محاكمة و دائرة الاستئناف. ومما تجدر الإشارة أليه أن هذه المحكمة قد ألحقت بمحاكم الجنايات في الوقت الراهن، ومقرها بغداد على أن القانون أجاز عقد مرافعات لها في مكان أخر من العراق، ويبلغ عدد المحاكم الجنائية في العراق حاليا (12) محكمة .
    ز- محاكم الجنح.
    وتشكل هذه المحاكم في كل مكان فيه محكمة بداءة وتنعقد هذه المحكمة من قاضي واحد وأجاز القانون أن يكون قاضي محكمة البداءة قاضيا لمحكمة الجنح في حالة عدم تولي قاضي مختص في هذه المحاكم، وهي مختصة بالنظر في الجرائم ( الجنح والمخالفات) التي تصل عقوبتها بالحبس لأقل من خمس سنوات وعادة تحال قضاياها من قبل محاكم التحقيق. أن الحكم الصادر منها يكون بدرجة أخيرة قابلة للطعن بطريقة التمييز أمام محاكم الاستئناف بصفتها التمييزية ويبلغ عددها في العراق حاليا (105) محكمة .
    ح- محاكم الأحداث.
    وهي على نوعين:
    *محاكم تحقيق الأحداث، ولها اختصاص التحقيق في الجرائم المتهم بارتكابها الأحداث، وتعريف الحدث طبقا لقانون رعاية الأحداث هو (من أتم التاسعة من عمره ولم يكمل الثامنة عشر) ، وتنعقد محكمة تحقيق الأحداث من قاضي واحد وقراراتها قابلة للطعن أمام محكمة الأحداث بصفتها محكمة موضوع.
    * محاكم الأحداث. وهي تختص بمحاكمة الحدث عن الجريمة التي نسب أليه ارتكابها، وهي محكمة موضوع، فإذا كان ما نسب إليه جناية ( عقوبتها أكثر من 5 سنوات ) فتنعقد برئاسة قاضي وعضوية اثنين من المحكمين من المختصين بالعلوم الجنائية أو العلوم ذات الصلة بشؤون الأحداث، أما أذا كانت الجريمة مسندة إلى الحدث جنحة أو مخالفة فتنعقد من قاضي الأحداث بمفرده. والأحكام التي تصدرها محكمة الأحداث تكون بدرجة أخيرة قابلة للطعن تمييزا أمام محكمة الأحداث، ويبلغ عددها في العراق (17) محكمة فقط .

    ط- المحاكم الجمركية.
    تختص بالنظر بالدعاوى المتعلقة بالقضايا الجمركية، ولا تنعقد ألا برئاسة قاضي وعضوية قاضي أخر وموظف حقوقي يتم تسميته من قبل وزير المالية، والأحكام الصادرة منها تكون بدرجة أخيرة قابلة للطعن أمام الهيئة التمييزية المشكلة بموجب قانون الجمارك ويبلغ عددها في العراق حاليا 3 محاكم فقط .

    ي – محاكم التحقيق.
    قضى قانون التنظيم القضائي بتشكيل محاكم تحقيق أينما وجدت محاكم بداءة وتنعقد هذه المحاكم من قبل قاضي واحد و لها الحق بالتحقيق بكافة الجرائم المعروضة أمامه، وعدد محاكم التحقيق في العراق حاليا تبلغ (132) محكمة .
    ك- محكمة القضاء الإداري.
    قبل البحث بتفاصيل هذه المحكمة لابد من القول أن كل المحاكم أنفة الذكر ماعدا محكمة التمييز ومحكمة القضاء الإداري غير مرتبطتين بمجلس القضاء، حيث نص القانون على تشكيل هذه المحاكم استنادا إلى قانون محكمة القانون الإداري ، حيث ترتبط محكمة القضاء الإداري بمجلس شورى الدولة .
    ومن اختصاصات هذه المحكمة النظر بصحة الأوامر والقرارات الإدارية التي تصدر من الموظفين والهيئات في دوائر الدولة والقطاع الاشتراكي، وتتألف من رئاسة قاضي من الصنف الأول أو مستشار في مجلس شورى الدولة وعضوين اثنين من القضاة أو من المستشارين المساعدين في مجلس شورى الدولة وتكون أحكامها بدرجة أخيرة قابلة للتمييز أمام الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة وقد اقتصر تشكيل هذه المحكمة على العاصمة بغداد فقط.
    ومما تجدر الإشارة إليه، أن هناك جهازا أخر يرتبط بمجلس شورى الدولة، وهو مجلس الانضباط العام الذي له الحق في النظر في الاعتراضات المقدمة من قبل الموظفين على أية قرارات تصدر ضدهم من مراجعهم الوظيفية الأعلى، وينعقد هذا المجلس برئاسة رئيس مجلس شورى الدولة أو احد نوابه أو احد أعضاء المجلس الأصليين أو المنتدبين من القضاة وعضوية اثنين من أعضاء المجلس أو القضاة المنتدبين، وتصدر قراراتها بدرجة أخيرة قابلة للطعن أمام الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة ومما تجدر الإشارة أليه أن الدستور الحالي قد تعامل مع هذه المحكمة بطريقة مختلفة عما كانت عليه في السابق بالنص على جواز تشكيل مجلس دولة يقوم بوظائف محكمة القضاء الإداري .
    ل- المحكمة الجنائية العراقية العليا.
    أن البحث في موضوع هذه المحكمة له دلالة وأهمية كبيرة وذلك نظرا للخصوصية التي تتمتع بها، كيف لا وهي مختصة بالنظر في الاتهامات الموجهة إلى النظام الحكم السابق. تشكلت هذه المحكمة بقرار من مجلس الحكم المنحل في 10 أكتوبر عام 2003 حيث استندت في تأسيسها إلى قانون إدارة الدولة المؤقت الذي كان بمثابة دستور مؤقت للعراق آنذاك.
    اعتبرت المحكمة وطبقا لقانونها مختصة بالنظر في الجرائم ( الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والجرائم الواردة في القوانين الجزائية العراقية النافذة) على أن تكون الفترة التي ارتكبت فيها هذه الجرائم واقعة بين تاريخي 17/7/1968 و 1/5/ 2003 .
    تتألف هذه المحكمة من قسم أداري وادعاء عام وقضاة تحقيق وهيئة تمييز، ونتيجة للاتهامات الموجهة إلى هذه المحكمة باعتبارها محكمة تم إنشاؤها من قبل قوات محتلة وإنها غير مستقلة ، بادرت الجمعية الوطنية العراقية بسن قانون سمي بقانون المحكمة الجنائية العليا الذي تم إقراره في 18/10/2005 ليصبح قانونا نافذا وملزما،حيث منح المحكمة شرعية الاستمرار بالنظر في القضايا المرفوعة إمامها، وللوقوف على أهم تلك الآراء التي شككت في شرعية هذه المحكمة لابد أولا من السؤال، هل تعد هذه المحكمة جزء من التنظيم القضائي العراقي؟.
    أن قانون المحكمة الجنائية العليا يدل بوضوح بان هذه المحكمة لها وضع خاص وتتمتع باستقلالية تامة . ولا تعد هذه المحكمة طبقا لقانونها جزء من مجلس القضاء الأعلى ولا حتى لوزارة العدل، وبالتالي يمكن القول أنها محكمة مختصة تم تشكيلها لموضوع معين ولمدة معينة، فالموضوع هو محاكمة صدام ومن كان معه في سدة الحكم سابقاً عن جرائم اتهموا بارتكابها وتنظر في جرائم ارتكبت في وقت محدد بالذات دون غيره. ومما يدل بوضوح على أن هذه المحكمة لها وضعها الخاص، فان إلغاءها موقوف على إكمال أعمالها في التحقيق وما يتبعه من إجراءات جزائية تتخذها محكمة الجزاء، إذ خول الدستور العراقي مجلس النواب سن قانون يلغيها بشرط إنجاز الأعمال المنسوبة إليها .


    أن البحث في واقع المحكمة الجنائية العليا ومستقبلها يضع الباحثين فيها أمام مفترق الطرق، إذ أن الواقع العملي للمحكمة قد واجه سيلا كبيرا من الانتقادات بعضها كان من المسئولين العراقيين ومن أبرزهم وزير العدل العراقي السابق عبد الحسين شندل الذي يمكن تلخيص انتقاداته للمحكمة على الوجه التالي:
    * عدم استقلالية المحكمة وذلك بسبب الضغوط التي تمارسها قوات الاحتلال على القضايا المرفوعة أمامها، حيث اعتبر أن طول الفترة التي مرت لمحاكمة صدام وأعوانه كانت بسبب هامشية الحركة بالنسبة للقضاء والادعاء العام.
    * عدم تقيد المحكمة بالقوانين العراقية النافذة واستمرار الخلل الواضح في إجراءات المحكمة.
    بوسعه الاضطلاع بسلسلة من المحاكمات البالغة التعقيد، والحل المحلي الذي تقترحه الحكومة الأمريكية يجانب الصواب " وقال ديكر انه" ينبغي على الولايات المتحدة أن تؤيد تشكيل محكمة مؤلفة من قضاة دوليين أو محكمة (مختلطة) تظم خبراء قانونيين محليين ودوليين".

    ثانيا. الأجهزة القضائية الأخرى .
    بعد استعراض كل المحاكم التي تضمنها هيكل التنظيم القضائي العراقي، لابد أيضا من الإشارة إلى الأجهزة الأخرى التي تعد جزءا لا يتجزأ من الهيكلية القضائية وهي كالأتي:
    *مجلس القضاء الأعلى.
    لقد تم أعادة تأسيس مجلس القضاء الأعلى بعد أن تم حله وذلك استنادا إلى الأمر الصادر من سلطة الائتلاف المؤقت ، ولبيان الغرض والهيكلية التي انشأ لأجلها سيتم التطرق أليها وكما يلي.
    الغرض من أنشاء مجلس القضاء الأعلى.
    أشار القسم الأول من الأمر (35) الصادر من سلطة الائتلاف المؤقت بان الغرض من التأسيس هو بمثابة الجهاز القضائي الذي يشرف على النظام القضائي ويمارس المجلس وظائفه بشكل مستقل من وزارة العدل، كما أن القسم الثالث من نفس الأمر قد بين أهم الاختصاصات التي يمارسها هذا المجلس وهي:
    * الأشراف الإداري على القضاة وأعضاء الادعاء العام كافة فيما عدا أعضاء محكمة التمييز .
    * النظر في ادعاءات إساءة السلوك من قبل القضاة وأعضاء الادعاء العام، واتخاذ الإجراءات الانضباطية الملائمة بحقهم ومن ضمنها عزلهم عن مناصبهم.
    * .ترشيح الأفراد المؤهلين للتعيين كقضاة أو أعضاء ادعاء عام وطلب تعيينهم.
    * ترقية، ترفيع، إعارة، نقل وانتداب القضاة أو أعضاء الادعاء العام .
    * تعيين القضاة وأعضاء الادعاء العام لأشغال مناصب قضائية التي نص عليها قانون التنظيم القضائي رقم (160) لعام 1979 و قانون الادعاء العام رقم (159) لعام 1979 .


    عضوية المجلس.
    يتكون المجلس من رئيس محكمة التمييز( رئيسا للمجلس) ونواب رئيس محكمة التمييز ورئيس مجلس شورى الدولة ورئيس الادعاء العام ورئيس الأشراف القضائي ومدير عام الدائرة الإدارية أذا كان من القضاة أو أعضاء الادعاء العام ورؤساء محاكم الاستئناف . من جهة أخرى أكد الدستور العراقي على أن مجلس القضاء الأعلى هو إحدى المكونات الرئيسية للسلطة القضائية الاتحادية .



    *جهاز الادعاء العام .
    يتألف جهاز الادعاء العام طبقاً لقانون الادعاء العام من رئيس الادعاء العام ونائبين للرئيس وعدد من المدعين العامين ونوابهم ، ومقر رئاسة الادعاء العام في بغداد وتمتد صلاحياته إلى كافة إنحاء العراق . ومن اختصاصاته إقامة دعوى بالحق العام ومراقبة التحريات على الجرائم و الطعن بالإحكام والقرارات التي تصدرها محاكم الجنايات والجنح والتحقيق ويشرف أيضا على أعمال المحققين ويتولى الحضور عند أجراء التحقيق في جناية أو جنحة وله لحق في أن يبدي ملاحظاته وطلباته القانونية ، كما أعطى قانون الادعاء العام الحق في أن يتولى المدعي العام مهام قاضي محكمة الجنايات أو كقاضي جنح أو كقاضي تحقيق ، كما له حق حضور المرافعات كافة في دعاوى الجنايات والجنح والدعاوى المتعلقة بشؤون الأسرة . يخضع الادعاء العام أداريا إلى نفس القواعد التي يخضع لها القضاة من حيث الشروط المطلوبة في الترقية ويتمتع بكل ما يتمتع به القاضي من مزايا مالية متساوية في الراتب والمخصصات ويبلغ عدد أعضاء الادعاء العام حالياً (112) عضواً .


    *هيئة الأشراف العدلي
    وتتألف من رئيس وعضوية نائبين للرئيس وعدد كافي من المشرفين العدليين وتتولى هذه الهيئة بموجب قانونها مهمة الرقابة و الأشراف على أعمال المحاكم كافة – عدا محكمة التمييز – وعلى أعمال الموظفين المخولين سلطات قضائية كما تتولى التحقيق في الشكاوى المقدمة أليها حيث تقوم برفع تقاريرها إلى مجلس القضاء.




    *أمانة مجلس القضاء .
    وتم تشكيل هذا الجهاز بموجب أمر سلطة الائتلاف المؤقت ويرأسها أمين عام المجلس وهو من القضاة ، ويعاونه عدد من الموظفين وتتولى القيام بالشؤون الإدارية للقضاة و الادعاء العام وتهيئة جدول أعمال مجلس القضاء ومتابعة تنفيذ قراراته .

    ثالثاً : القضاء العراقي كوظيفة .
    سيتم البحث في هذه النقطة كل ماله علاقة بالوظيفة القضائية في العراق ، وذلك على النحو التالي :

    أعداد وتأهيل القضاة وأعضاء الادعاء العام
    في العام 1976 تم تأسيس المعهد القضائي العراقي الذي كان يهدف من وراء تأسيسه مهمة تعزيز ملاكات المحاكم بالقضاة و أعضاء الادعاء العام المهيئين للنظر في القضايا وإدارة المحاكم العراقية . ومن الشروط التي يجب أن يتمتع بها المرشح للقبول في هذا المعهد أن يكون: *عراقي الجنسية , * حاصل على شهادة البكالوريوس في القانون أو ما يعادلها , *ممارسة فعلية لمحاماة أو العمل في وظيفته قضائية أو قانونية لدى دوائر الدولة بمدة لأتقل عن ثلاث سنوات , * حسن السيرة والسلوك و السمعة وغير محكوم سابقاً بجناية أو جنحة , *اجتياز الاختبار التحريري والشفهي واللياقة البدنية و الفحص الطبي , *إن لا يقل عمره عن 28 سنة ولا يزيد على الأربعين .

    وفيما يتعلق بالطريقة التي يؤهل من خلالها طالب المعهد كقاضي أو مدعي عام ، اخذ المعهد على عاتقه أن يكون الكادر التدريسي من خيرة الأكاديميين و العاملين في القضاء العراقي ، مما أنتج جيلاً فاعلاً ومبدعاً في القضاء العراقي ، لولا التدخلات وعدم الاستقلالية التي كان نظام الحكم سابقاً في العراق يمارسها ضد هذه الفئة المهمة .
    أن مدة الدراسة في المعهد تستغرق سنتين يتلقى الطالب دروس نظرية وعملية وبشكل مكثف أما باقي الموظفين العاملين في القضاء من غير القضاة و الادعاء العام ، فهم موظفون تابعون إلى وزارة العدل التي تشرف على تعيينهم وعلى كل ما له علاقة بوظيفتهم ، وعددهم في الوقت الحاضر لايتناسب أيضاًَ مع حجم العمل الجديد الذي تواجهه المحاكم العراقية من كثافة في الدعاوى .

    عدد القضاة و أعضاء الادعاء العام .
    يبلغ عدد قضاة العراق ما عدا ( قضاة محكمة التمييز) (756) بينما يبلغ عدد الادعاء العام حالياً (112) عضواً ,
    أن عدد القضاة و الادعاء العام العاملين فعلياً في السلطة القضائية يكشف خللا واضحاً له علاقة بين التركة الثقيلة التي خلفها النظام السابق و المتمثلة بالمشاكل الاجتماعية و الاقتصادية و الأمنية وبين عدد القضاة و الادعاء العام . إذ لايوجد تناسب مطلقاً بين عدد الدعاوى التي تنظر من قبل المحاكم وعدد القضاة الذين عليهم مراجعتها وتدقيقها ومن ثم إصدار القرارات العادلة فيها. أن توجيه السؤال لأي قاضي أو ادعاء عام في العراق حول قدرتهم على استيعاب الحجم الكبير من الدعاوى سيكون بالتأكيد بأنهم غير راضين ومنزعجون للغاية بسبب حجم تلك الدعاوى ، ومن ثم تصبح قضية زيادة عدد القضاة و الادعاء العام ضرورة ملحة لكي تكون القرارات والأحكام الصادرة منها قانونية إلى حد كبير بدلاً من العجلة في ذلك . وبالإضافة إلى مشكلة النقص الحاصل في عدد القضاة والادعاء العام ، تبدو للعيان مشكلة أخرى تتمثل في عدم اختصاص القاضي العراقي بنظر نوع معين من القضايا بعكس الأنظمة القضائية الأخرى في العالم والتي تتجه إلى تخصص القاضي بشكل مطرد .

    إن الاختصاص له فوائد جمة تتمثل في احتراف القاضي لعمله في حقل معين من حقول العمل القضائي مما يولد لديه قدرة الإبداع و الاستنباط و التحليل الكبيرين ، بعكس عدم الاختصاص ، فمثلاً في العراق ، بين ساعة وأخرى يمكن أن تصدر محكمة الاستئناف قراراً بنقل قاضي من محكمة البداءة مثلا ليكون قاضياً في محكمة ( التحقيق ) وهو أمر يشتت من قابليته العملية أذا لم يكن ملماً بكل القضايا المعروضة عليه ألا بعد مرور فترة زمنية قد تحرم الدعوى المعروضة عليه من الدقة المطلوبة قانوناً . علماً أن القضاة عندما يتخذون قراراتهم فأنهم يستندون بذلك إلى نص قانوني ( موضوعي) كأن يكون القانون المدني أو قانون العقوبات ويستندون أيضا إلى نص قانوني إجراءي أو شكلي مدون يبين كيفية التقاضي كأن يكون قانون أصول المحاكمات الجزائية أو قانون المرافعات المدنية.


    المطلب الثاني . دور السلطة القضائية المستقلة في أنشاء نظام ديمقراطي تعددي مستقر.
    سنبحث في هذا المطلب كل ماله علاقة بقيام سلطة قضائية مستقلة من خلال استعراض أهم المبادئ التي طرحت في هذا الجانب مع التركيز على ما جاء به الدستور من ضمانات تناولت هذا الأمر .




    الفرع الأول :ً – المراقبة و التوازن لإقامة حكم القانون .
    أن مصطلح حكم القانون ببساطة يعني أن لا احد فوق القانون ولا يمكن تبرير أي تصرف بمعزل عن رقابته ومشروعيته بما فيها الحكومة التي يجب أن تكون خاضعة له ، تلك القوانين التي يجب إن تعبر عن أرادة الشعب وليس عن أرادة وفلسفة القابضين على السلطة فقط ، و حكم القانون يعني أيضا حماية الحقوق السياسية و المدنية لكل المواطنين دون أي استثناء على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو اللون .
    إن الرقابة و التوازن عنصران مهمان من عناصر الفصل بين السلطات ذلك المبدأ المهم لاستقرار أي بلد ديمقراطي يؤمن بأن للسلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية دور متبادل ومتوازي ، فهي مراقبة بفتح (القاف ) ومراقبة بكسر (القاف ) و بموجب هذه الفلسفة فأن مهمة السلطة التشريعية لا تبعد أن تكون بصياغة القوانين في حين أن مهمة السلطة التنفيذية تطبيقها على ارض الواقع من خلال إصدار أنظمة ولوائح وتعليمات تسهل تنفيذ تلك القوانين ، بينما يعمل القضاء على مراقبة دستورية تلك القوانين وتفسيرها والحكم فيها عند التنازع .
    أن مبدأ التوازن له مفهوم واحد وان اختلف تطبيقه من نظام ديمقراطي إلى أخر ، إذ بمجملها تخلق نوعا من الرقابة و التوازن المتبادل بحيث تستطيع السلطة التنفيذية أن تقترح قوانين دون أن تجيزها كما أنها تستطيع أن تلجأ لحق الاعتراض على القوانين التي قد تتخذها السلطة التشريعية لأن حق التوقيع و المصادقة عادة ما يكون بيد السلطة التنفيذية ، سواء أكان رئيساً للدولة أو الحكومة , في حين يحق للسلطة التشريعية الاعتراض على قرارات السلطة التنفيذية وإلغائها بقرار وفي أسوء الحالات لها أن تسحب الثقة عنها و بالتالي إسقاطها .
    أما السلطة القضائية فيمكن لها القضاء بعدم دستورية أي قرار تتخذه السلطة التنفيذية وكذلك الأمر بالنسبة للقوانين التي تسنها السلطة التشريعية إذ لها الحق في أن تصدر حكما بعدم دستورية أي قانون يتعارض مع ما ورد في دستور الدولة الاتحادية . ومع أن السلطة القضائية معينة من قبل السلطة التشريعية التي تشرف على تعينهم ألا أن ليس لها الحق مطلقا بعزلهم طبقاً لمبدأ استقلالية القضاء حيث انيطت مثل هذه الأمور إلى القضاء حصراً للبت فيه ، وهكذا تعمل كل سلطة كأنها رقيب على السلطة الأخرى و على ما تتخذه من قرارات بشكل متزن و متناسب .

    لقد تطرقنا سابقا في هذا البحث إلى أهم النقاط التي تبحث في السلطة القضائية العراقية طبقا للدستور الجديد بالإضافة إلى ذكر نبذه مختصرة عن ماضيه ، لكي يكون منهاجاً مقارناً لما كان عليه العراق في السابق وما آل إليه ألان ، موضحين أهم التحديات والعقبات التي يمكن أن تقف حائلاً دون قيام سلطة قضائية مستقلة و مستقرة . وإذا كانت مرحلة كتابة الدستور لم يشارك فيها الجميع فأن الانتخابات التي حصلت في العراق لانتخاب أعضاء مجلس النواب قد شارك فيها الكل دون استثناء وبالتالي فأن المرحلة القادمة ستكون دليلا واضحا على ما تحتاجه فعلا السلطة القضائية من قوانين تكرس استقلال هذه السلطة وتدفع باتجاه بناء دولة القانون .






    الفرع الثاني : - نزاهة السلطة القضائية و مبداء حكم القانون .

    أن غياب المسألة يتيح الفرصة لأولئك الذين يختصون بمسؤوليات حكومية باستغلال وظائفهم لمصالحهم الشخصية ، وهي غالباً ما تكون في الدول التي لاتتبع معايير المراقبة والشفافية التي تحد بدرجة كبيرة من الفساد الإداري ، إذ لاتوجد دولة ما في العالم لا تعاني من هذه الظاهرة ألا أن الاختلاف واضح في حجم ذلك الفساد . وفي العراق وبعد سقوط نظام الحكم فيه بدا للعيان حجم الظاهرة التي يعاني منها هذا البلد في هذا الإطار ، وكما ذكرنا سابقا كان للغياب المفرط في متابعة الفساد الإداري واضحا جدا إلى درجة ما عاد يسلم من الاتهام بارتكابها ألا القليل من المسئولين الحكوميين العراقيين ، مما اثر سلبا على أعادة أعمار العراق حتى أن تحليل الوضع الخاص ببرامج المنح المقدمة من قبل المجتمع الدولي اصطدم بهذه العقبة التي زرعت جواً من عدم الثقة بتنفيذ برامج ألأعمار وهو ما يهدد مستقبل العراق الاقتصادي و استقراره . ويمكن تعريف الفساد الإداري على انه " كل عمل أو امتناع عن عمل يقوم به الموظف الحكومي أو المكلف بخدمة عامة تتضمن المتاجرة بالوظيفة العامة أو العمل المكلف به سواء أكان ذلك استغلالاً أو إساءة استخدام نفوذ السلطة " .
    وللوقوف بوجه تلك التصرفات غير القانونية التي طالت المال العام في العراق فقد تم تشكيل مفوضية خاصة تدعى ( المفوضية العامة للنزاهة العامة ) وذلك طبقاً لأمر سلطة الائتلاف المؤقت ، للنظر في جميع قضايا الفساد الإداري منذ 17/7/1968 وما بعدها .

    أن المراقب لعمل مفوضية النزاهة سيجد أن الأخيرة دأبت على متابعة قضايا الفساد التي طالت المال العام ألا أن هنالك عقبات وقفت أمام تنفيذ إجراءاتها القضائية الممنوحة لها طبقاً للقانون (55) انف الذكر ، إذ أصدرت الكثير من مذكرات التوقيف بحق مسئولين عراقيين وعلى مختلف درجاتهم الوظيفية ألا أنها اصطدمت بعقبتين , الأولى ، تدخل السلطة التنفيذية المتمثلة بالحكومة ، إذ إن قانون المفوضية رقم (55) قد ربط عملها مباشرة برئاسة مجلس الوزراء وان تدخل الأخير في عمل المفوضية منعها من تنفيذ مذكرات التوقيف لمرات عديدة , أما العقبة الثانية فتتمثل في قانون أصول المحاكمات الجزائية و الذي نص " لا يجوز أحالة متهم على المحاكمة في جريمة ارتكبت أثناء وظيفته الرسمية أو بسببها ألا بأذن من الوزير التابع له ......" , أي أن مذكرات التوقيف و التحقيق الذي تجريه مفوضية النزاهة موقوفة على موافقة ( الوزير ) المختص ، وهو ما يعد المانع القانوني الذي يجب أن يعدل بحيث يتيح الفرصة للمفوضية بالعمل على تنفيذ إجراءاته دون هذا الشرط .

    أن اتساع ظاهرة الفساد الإداري في العراق يمكن أن يعزى سببه إلى الأمور التالية :
    *غياب مبدأ المسائلة و المحاسبة في دوائر الدولة أو التسامح معها .
    *حماية الفاسدين و التعامل مع كشف الفساد و أحالتهم إلى المحاكم بأنه تعريض لسمعة الوزير أو الوزارة إلى الإساءة .
    *تدخل السلطة التنفيذية في قرارات المفوضية وتجميد الكثير منها .
    *الظروف الأمنية المتردية التي أشاعت جواً من الرعب و الخوف وبالنتيجة أضعاف الحس بالمسؤولية اتجاه الفاسدين .
    *الفقرة (ب) من المادة (136) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أنفة الذكر .

    ومنعاً لتدخل السلطة التنفيذية في أعمال المفوضية العامة للنزاهة ، فقد أدرك واضعو الدستور أهمية استقلالها لكي تلعب دوراً مهماً بعيداً عن التدخل فيها ، إذ أشارت المادة (102) من الدستور بالنص ( تعد...... وهيئة النزاهة هيئات مستقلة تخضع لرقابة مجلس النواب وتنظم أعمالها بقانون ) . ومع ذلك يبقى دور الحكومة على تشجيع ثقافة مكافحة الفساد الإداري و المراقبة و المحاسبة كأفضل وسيلة يمكن من خلالها كبح الفساد الإداري إلى درجة كبيرة.



    الفرع الثالث:- الأعلام الحر و التحول الحرج طبقا لمبداء حكم القانون .

    كثيرة هي التجارب التي تحكي قصة شعوب مرت فيما يمر به العراق اليوم وهو التحول الحرج من نظام دكتاتوري منفرد بالسلطة إلى نظام تعددي يرغب فيه الجميع بالعيش بسلام ، وعلى سبيل المثال لم تكن جنوب أفريقيا اليوم كما هي بالأمس ، فعلى الرغم من حدة الخلاف الذي خلفه نظام الفصل العنصري آنذاك ألا أن الجميع كان يبحث عن موطئ قدم للعيش بسلام . لقد كان النظام السابق يمارس نفس الأمر في العراق من خلال تغذية الطائفية بأعلى درجاتها و من خلال التمييز في أشغال المناصب العليا في القضاء العراقي . أن تشجيع آليات المراقبة على أداء الحكومة ، من خلال إتاحة الفرصة أمام الإعلام الحر للتحقيق في القضايا التي تخص أدائها يعد أمرا مهما حيث سيحقق مكاسب مهمة في أقامة حوار صريح بين المسئول الحكومي وبين وسيلة إعلامية آيا كانت ،للوصول إلى حقيقة واحدة وهي أن لا تكون تصرفات الحكومة بعيدة عن الجمهور . لقد كشفت وسائل الإعلام في الدول التي أخذت بنظام الحكم الديمقراطي الكثير من الفساد الذي يخص الأداء الحكومي , إذ كم من الحكومات حجبت عنها الثقة أو استقالت بسبب الضغوط عليها نتيجة لارتكابها تصرفات تعد من قبيل الفساد الإداري . إن الأعلام الحر يمكن له إن يساعد الحكومة النظيفة في استقرارها , و من خلال الأعلام الحر يمكن للحكومة معرفة بعض مواضع الخلل في أدائها ، وبالتالي الكشف عنها سيؤدي إلى اتخاذ إجراءات معينة لمعالجة الخلل ، وهو الحاصل الذي يأتي بالمنفعة النهائية للدولة, أي الاستمرار في الأداء الحكومي مع أعادة التقييم المتكرر لأدائها . وعادة ما تكون الحكومات الفاسدة غير مهتمة بأمر الإعلام الحر بل ولا تتيح له الفرصة في إقامة لقاءات أو تحقيقات خاصة في قضايا الفساد الإداري .
    وقد يسأل البعض هل توجد إلية إعلامية تستطيع أن تنشر كل ماله علاقة بنشاط السلطة القضائية ؟ فيما يتعلق بالقضاء يمكن القول أن العراق مازال مفتقراً إلى هذا النوع من الأعلام ، إذ في السابق لم تكن في وزارة العدل العراقية التي كانت مسئولة عن القضاء ألا دائرة تدعى ( العلاقات العدلية ) التي من مهامها تسخير القضاء لما يسمى بالتعبئة الحزبية للنظام السابق ، ولم يكن لها دور إلا في قدر ضئيل في أعداد ونشر كل ماله علاقة بالنشاط القضائي ، كعقد ندوات تثقيفية للقضاء أو المساهمة في نشر بحوث ودراسات تخص القانون ، وفي الوقت الحاضر يمكن القول إن وضع الإعلام في العراق يتمثل :
    *عدم وجود جهاز أعلامي مستقل خاص بالقضاء العراقي قادر على نشر المعلومات وتبادلها بسرعة كافية من اجل بناء ثقافة قانونية يستفيد منها القضاة وأعضاء الادعاء العام في عملهم ولتطوير قابليتهم .
    *اغلب القضاة وأعضاء الادعاء العام الحاليين لا يجيدون استخدام الوسائل الحديثة في تبادل المعلومات التي توفر قدراً كبيرا وسيلاً مهماً من المعلومات وذلك للاستفادة منها في عملهم ، مما اثر سلباً على مستوياتهم الثقافية القانونية ، إذ مازالت المراسلات البريدية ( البريد الرسمي ) هو المعول عليه في المخاطبات بين الهيئات القضائية الحالية .
    *عدم وجود برامج إعلامية خاصة بنشر الثقافة القانونية في العراق .


    المبحث الثاني : السلطة التشريعية .

    قبل الخوض في موضوع الدستور وما له علاقة بالسلطة التشريعية في العراق، لا بد أولا من بيان الكيفية التي كان العراق يعمل بها وخصوصا فيما يتعلق بالسلطة التشريعية ولهذا فان هذا المبحث سينقسم إلى مطلبين :الأول سيتناول السلطة التشريعية قبل نفاذ الدستور بينما سيتناول الثاني كل ما له علاقة بالتحديات و الصعوبات التي تواجه نفس السلطة بعد أقرار الدستور و قيام السلطة التشريعية الاتحادية .







    المطلب الأول : السلطة التشريعية في دولة العراق

    و في هذه النقطة سيتم التطرق إلى آمرين مهمين و هما : وضع السلطة التشريعية أبان حكم النظام السابق كما سيتم التطرق إلى وضعها بعد سقوطه أقامة دستور جديد للبلاد.

    الفرع الأول : السلطة التشريعية أبان النظام السابق و ما بعد سقوطه .
    لقد تم ممارسة صلاحيات ( صورية ) للسلطة التشريعية تمثلت بما يسمى بـ ( المجلس الوطني ) الذي كان بمثابة البرلمان آنذاك ، آذ يتكون من عدد من الأعضاء يبلغ عددهم 250 عضوا يتم انتخابهم كل أربع سنوات و هم من البعثيين كشرط أساس لعضوية هذا المجلس . تأسس هذا المجلس عام 1980 ، وكانت آخر دورة له بعد انتخاب أعضاء جدد له في عام 2000 ، أما صلاحياته فهي لا تزيد على اقتراح مشاريع قوانين ترفع إلى مجلس قيادة الثورة للمصادقة عليها , و الأخير كان يمثل رأس الهرم في السلطة التشريعية و كان صدام هو رئيسه و المتنفذ الوحيد بقراراته ، فالمجلس الوطني ليس له الحق ألا أن يصوت بالإجماع نزولا عند رغبة صدام إما بالرفض أو القبول دون أن يكون هنالك رأي لمناقشه حرة .
    بعد الإطاحة بنظام الحكم في 9 ابريل 2003 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية و بعض الدول الحليفة لها في المجتمع الدولي ، تشكلت ما يعرف بسلطة الائتلاف المؤقتة (CPA ) ، برئاسة بول بريمر حيث أصبح العراق رسميا تحت الاحتلال طبقا لقرار الأمم المتحدة ، حيث خول هذا القرار لسلطة الائتلاف المؤقت ممارسة السلطات التشريعية آنذاك. في 22 تموز 2003 قامت سلطة الائتلاف المؤقت بتشكيل مجلس الحكم في العراق الذي يتكون من 25 عضوا جميعهم من العراقيين و رئيس يختار من قبلهم لمدة شهر حسب الترتيب الأبجدي ، و مجلس الحكم هو ثاني اكبر هيئة أدارية تشكلت في العراق عقب التسلسل الزمني لاحتلاله , استمر هذا المجلس الذي كان له دور تشريعي ضئيل في تلك الفترة حتى 28 حزيران عام 2004 حيث تم حله , و قد اصدر مجلس الحكم المنحل العديد من القرارات ذات الصلة بالقانون من أشهرها قرار إلغاء قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 1959 , كما قام مجلس الحكم المنحل آنذاك بسن قانون أدارة الدولة للفترة الانتقالية الذي كان بمثابة دستور مؤقت للعراق . حلت الحكومة العراقية التي تشكلت في أعقاب حل مجلس الحكم ، حيث كانت اختصاصاتها التشريعية قليلة و لا تتناسب مع حجم المشكلة التي يعاني منها الوضع القانوني العراقي .
    و في 3 مايو 2005 حلت الحكومة الانتقالية محل الحكومة العراقية المؤقتة و كان من أولوياتها الأعداد لقيام حكومة عراقية منتخبة دائمية لمدة أربعة أعوام و كذلك كتابة مسودة الدستور و التهيئة لأجراء استفتاء شعبي عليها .

    الفرع الثاني : – السلطة التشريعية طبقا للدستور الجديد .

    و في هذه النقطة سيتم التطرق إلى أهم المواد التي وردت في الدستور و الخاصة بالسلطة التشريعية من خلال بيان هيكلتها و اختصاصاتها و التحديات و العقبات التي تواجها عند أدائها لمهامها لاسيما فيما يتعلق بالأولويات التشريعية .
    أولا: هيكلية السلطة التشريعية الاتحادية "مجلس النواب ومجلس الاتحاد".
    نص الدستور على أن السلطة التشريعية الاتحادية تتكون من مجلسين هما مجلس النواب و مجلس الاتحاد ، و بهذا فأن دستور العراق الجديد اخذ بنظام المجلسين "Bicameral Legislature Composed " كما هو المعمول في الولايات المتحدة الأمريكية واغلب الدول الاتحادية . بينما أشارت الفقرة أولا المادة ( 49) من الدستور على آلية تكوين مجلس النواب بالقول " يتكون مجلس النواب من عدد من الأعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مائة ألف نسمه من نفوس العراق يمثلون الشعب العراقي بأكمله ، يتم انتخابهم بطريق الاقتراع السري المباشر ، و يراعي تمثيل سائر مكونات الشعب فيه " و السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو أذا كان الانتخاب هو السبيل في الوصول إلى المقاعد النيابية ، كيف أذن يراعى تمثيل سائر مكونات الشعب في هذا المجلس ، هل هذا يعني تخصيص نسبة من المقاعد للقوائم التي تمثل مكوناً من مكونات المجتمع العراقي لم تفز بمعقد أم ماذا ؟

    أما فيما يتعلق بمجلس الاتحاد الذي يمثل الجزء الثاني من السلطة التشريعية فقد أشار الدستور على أن مجلس الاتحاد " يتكون من ممثلين من الأقاليم و المحافظات غير المنتظمة في إقليم " على أن تكون طريقة تكوينه و شروط العضوية فيه و كل ما يتعلق باختصاصات هذا المجلس مؤجلة حتى يسن مجلس النواب قانونا بأغلبية ثلثي أعضاءه.
    أن الملاحظ على المادة ( 65 ) أنفة الذكر يؤكد موضوع تأجيل تشكيل مجلس الاتحاد إلى ما بعد نفاذ الدستور وسن قانون خاص به ، و بهذا يكون مجلس النواب هو الممثل الوحيد للسلطة التشريعية الاتحادية في العراق حتى يتم تشكيل المجلس الآخر.
    ثانيا:- جلسات مجلس النواب .
    تعد جلسات مجلس النواب قائمة متى ما تتحقق النصاب الذي اشترطته الفقرة أولا من المادة ( 59 ) وهو بحضور الأغلبية المطلقة لعدد أعضائه البالغ 275 عضواً ، وهو مطلب قد لا يتحقق بسهولة في أكثر الأحيان ، إذ طالما تلجأ الكتل السياسية العراقية إلى عدم حضور جلسات المجلس لاسيما في الفترات التي تشهد توتراً و تأزماً سياسياً وذلك لعرقلة إصدار أي قانون لا يتوافق مع أطروحاتها . أن جلسات المجلس وطبقا للدستور (علنية ألا إذا ارتأى المجلس ضرورة لخلاف ذلك ) ، دون أن تذكر الفقرة ما هي الضرورة و ما تعريفها و شروطها لكي يلجأ المجلس إلى جلسة سرية ، و فيما يتعلق بنفس الموضوع أشارت الفقرة ثانياً من المادة (53) من أن للمجلس أن يختار ما يراه مناسبا لنشر محاضر الجلسات ، دون أن يذكر على سبيل المثال ما هي الوسيلة كأن تكون عن طريق النقل المباشر لجلسات المجلس أو أقامة مؤتمرات صحفية أو إصدار بيانات مكتوبة أو عن طريق استخدام موقع الشبكة الدولية
    .
    ثالثا - كيفية الطعن بقرارات مجلس النواب ؟ .
    تتخذ قرارات المجلس بالأغلبية البسيطة ( نصف زائد واحد للأعضاء الحاضرين المصوتين ) ، أما ما يخص الطريقة التي يمكن الطعن بها بقرار المجلس ، فقد رسم الدستور لذلك طريقة واحدة حيث أعطت الصلاحية القانونية للمحكمة الاتحادية العليا بالرقابة على دستورية القوانين ، الأمر الذي أكده الدستور مرة أخرى ، حيث قضى بجواز الطعن بقرارات مجلس النواب خلال ثلاثين يوما من تاريخ صدوره .
    رابعا:- الدورة الانتخابية .
    قضى الدستور بأن تكون مدة الدورة الانتخابية لمجلس النواب أربع سنوات تقويمية تبدأ بأول جلسة له و تنتهي بنهاية ألسنه الرابعة ، بينما أشارت نفس المادة ـ(ف\ ثانياً) على أجراء انتخابات مجلس النواب الجديد قبل خمسة و أربعين يوما من تاريخ انتهاء دورته الاتحادية ، ألا أن الدستور لم يذكر ما هو الحل في حالة عدم أمكانية أجراء انتخابات في موعدها ، هل سيمدد مجلس النواب دورته لمدة أضافية أم ماذا ؟ .

    خامسا- اختصاصات مجلس النواب .
    تطرق الدستور إلى اختصاصات مجلس النواب و التي من أهمها : تشريع القوانين الاتحادية , الرقابة على أداء السلطة التنفيذية , المصادقة على المعاهدات و الاتفاقيات الدولية , تعيين رئيس و أعضاء محكمة التمييز الاتحادية و رئيس الادعاء العام و رئيس هيئة الأشراف القضائي , تعيين السفراء و أصحاب الدرجات الخاصة و رئيس أركان الجيش و معاونيه ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق و رئيس جهاز المخابرات , وفيما يخص هذه النقطة كان الأولى ترك تعيين هذه الفئات إلى جهات فنية مختصة باعتبارها الأقدر على الاختيار على أساس الكفاءة و الخبرة و المؤهل , مسائلة رئيس الجمهورية و إعفاءه عند إدانته من قبل المحكمة الاتحادية العليا , أقرار مشروع قانون الموازنة ألعامه و الحساب الختامي الذي يتقدم به مجلس الوزراء إلى مجلس النواب .
    سادسا: حل مجلس النواب .
    أشار الدستور إلى طريقة حل مجلس النواب وذلك بناءا على طلب ث

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 10:32 pm